سيد محمد طنطاوي

132

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتعبير بقوله - تعالى - : * ( فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا . . ) * يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم ، أو لإخوانهم الذين رجعوا إليهم ، كما في قوله - تعالى - في سورة الأحقاف : قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْه يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . . . ويحتمل أنهم قالوا ذلك في أنفسهم على سبيل الإعجاب ، كما في قوله - تعالى - : ويَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ لا يُعَذِّبُنَا اللَّه بِما نَقُولُ بل إننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك ، لأن هذا هو الذي يتناسب مع إعجابهم بالقرآن الكريم ، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به . ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به ، أخذوا في الثناء على الخالق - عز وجل - فقال حكاية عنهم : * ( وأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا وَلَداً ) * . ولفظ « وأن » قد تكرر في هذه السورة الكريمة أكثر من عشر مرات ، تارة بالإضافة إلى ضمير الشأن ، وتارة بالإضافة إلى ضمير المتكلم . ومن القراء السبعة من قرأه بفتح الهمزة ، ومنهم من قرأه بكسرها ، فمن قرأ * ( وأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا . . ) * بالفتح فعلى أنه معطوف على محل الجار والمجرور في قوله * ( فَآمَنَّا بِه ) * فكأنه قيل : فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا . . ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكي بعد القول ، أي : قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، وقالوا : إنه تعالى جد ربنا . . قال الجمل في حاشيته ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( وأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا . . . ) * قرأه حمزة والكسائي وأبو عامر وحفص بفتح « أنّ » ، وقرأه الباقون بالكسر . . وتلخيص هذا أن « أنّ » المشددة في هذه السورة على ثلاثة أقسام : قسم ليس معه واو العطف ، فهذا لا خلاف بين القراء في فتحه أو كسره ، على حسب ما جاءت به التلاوة واقتضته العربية ، كقوله : * ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه اسْتَمَعَ . . . ) * لا خلاف في فتحه لوقوعه موقع المصدر ، وكقوله : * ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ) * لا خلاف في كسره لأنه محكي بالقول . القسم الثاني أن يقترن بالواو ، وهو أربع عشرة كلمة ، إحداها : لا خلاف في فتحها ، وهي قوله : وأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّه . . . وهذا هو القسم الثالث . والثانية وهي قوله : وأَنَّه لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّه . . . كسرها ابن عامر وأبو بكر وفتحها الباقون . والاثنتا عشرة الباقية ، فتحها بعضهم ، وكسرها بعضهم وهي قوله : - تعالى - : * ( وأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا ) * وقوله : * ( وأَنَّه كانَ يَقُولُ ) * . . و * ( أَنَّا ظَنَنَّا ) * . . و * ( أَنَّه كانَ رِجالٌ ) * . . و * ( أَنَّهُمْ ظَنُّوا ) * . .